ابن الجوزي

160

صفة الصفوة

أو يسمع القرآن . قال : وكان معنا رجل مؤذن وكان صيّتا فقلنا له اقرأ أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ [ سورة التكاثر آية 1 ] ورفع بها صوته . فأشرف علينا الفضيل وقد بكى حتى بل لحيته بالدموع ومعه خرقة ينشف بها الدموع من عينيه وأنشأ يقول : بلغت الثمانين أو حزتها * فما ذا أؤمّل أو أنتظر ؟ أتى لي ثمانون من مولدي * وبعد الثمانين ما ينتظر [ علتني السنون فأبلينني ] . . . قال ثم خنقته العبرة . وكان معنا علي بن خشرم فأتمّه لنا فقال : علتني السنون فأبلينني * فرقّت عظامي وكلّ البصر وعن أبي جعفر الحذّاء قال : سمعت فضيل بن عياض يقول : أخذت بيد سفيان ابن عيينة في هذا الوادي فقلت له : إن كنت تظن أنه بقي على وجه الأرض شر مني ومنك فبئس ما تظن . وعن علي بن الحسن قال : بلغ فضيلا أن جريرا يريد أن يأتيه قال : فأقفل الباب من خارج . قال : فجاء جرير فرأى الباب مقفلا فرجع . قال علي : فبلغني ذلك فأتيته فقلت له : جرير . فقال : ما يصنع بي ؟ يظهر لي محاسن كلامه وأظهر له محاسن كلامي ، فلا يتزين لي ولا أتزين له خير له . وعن الفيض بن إسحاق قال : سمعت فضيلا يقول : لو قيل لك يا مرائي لغضبت ولشق عليك وتشكو فتقول : قال لي : يا مرائي عساه قال حقا من حبك للدنيا تزينت للدنيا وتصنعت للدنيا . ثم قال : اتق ألّا تكون مرائيا وأنت لا تشعر تصنّعت وتهيأت حتى عرفك الناس فقالوا هو رجل صالح فأكرموك وقضوا لك الحوائج ووسّعوا لك في المجالس ، وإنما عرفوك باللّه ولولا ذلك لهنت عليهم . قال وسمعت الفضيل يقول : تزينت لهم بالصوم فلم ترهم يرفعون بك رأسا . تزيّنت لهم بالقرآن فلم ترهم يرفعون بك رأسا ، تزينت لهم بشيء بعد شيء ، إنما هو لحبّ الدنيا .